انطلقت اليوم(الخميس) بفندق ملينيوم مسقط أعمال النسخة السادسة من مؤتمر عُمان للأمن الإلكتروني 2026، الذي جاء هذا العام تحت شعار «الأمن السيبراني في القطاع الصحي»، بمشاركة نخبة من الخبراء والمختصين وصنّاع القرار من داخل سلطنة عُمان وخارجها، في خطوة تستهدف تعزيز الجاهزية الرقمية وحماية البنية التقنية للقطاع الصحي في ظل التوسع المتسارع في التحول الرقمي.
رعى حفل افتتاح المؤتمر معالي الدكتور هلال بن علي السبتي - وزير الصحة -، بحضور عدد من أصحاب السعادة والمسؤولين من مختلف الجهات.
حيث ينظم المؤتمر بمبادرة من «الرؤية»، بالتعاون مع وزارة الصحة ممثلة بالمديرية العامة لتقنية المعلومات والصحة الرقمية ومركز الدفاع الإلكتروني، وبمشاركة مؤسسات وطنية ودولية متخصصة في مجالات الأمن السيبراني والتقنيات الصحية الحديثة.
استهلت أعمال المؤتمر بكلمة ترحيبية ألقاها المكرم حاتم بن حمد الطائي الأمين العام للمؤتمر، أعقبها بيان افتتاحي قدمه المهندس خميس بن سالم الحجري رئيس مركز الدفاع الإلكتروني، تناول فيه أهمية تعزيز أمن القطاع الصحي باعتباره أحد القطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن الوطني واستمرارية الخدمات الأساسية.
وشهد حفل الافتتاح عرض مادة فيلمية تناولت مخرجات التمرين الوطني للأمن السيبراني في القطاع الصحي، مسلطة الضوء على جاهزية الكفاءات الوطنية وآليات الاستجابة للتهديدات الإلكترونية المحتملة، إلى جانب إبراز مستوى التنسيق بين الجهات المعنية في إدارة المخاطر السيبرانية.
وأكد سعادة الدكتور أحمد بن سالم المنظري - وكيل وزارة الصحة للتخطيط والتنظيم الصحي -، في كلمته خلال الافتتاح، أن الأمن السيبراني أصبح ركيزة أساسية لاستدامة التحول الرقمي في القطاع الصحي، مشيرًا إلى أن حماية الأنظمة والبيانات الصحية لم تعد مسؤولية تقنية فحسب، بل مسؤولية وطنية تتطلب تكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات.
وأوضح سعادته أن التوسع في استخدام السجلات الصحية الإلكترونية والمنصات الذكية أحدث تحولًا نوعيًا في أساليب تقديم الرعاية الصحية، الأمر الذي جعل الأمن السيبراني حجر الزاوية لضمان موثوقية الأنظمة وصون خصوصية البيانات وتعزيز ثقة المستفيدين بالخدمات الرقمية.
وأضاف أن هذا التوجه ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 التي أولت التحول الرقمي والأمن السيبراني أهمية محورية باعتبارهما من الممكنات الرئيسة لتحقيق التنمية المستدامة ورفع كفاءة الخدمات الحكومية.
وأشار إلى أن وزارة الصحة تتبنى نهجًا استباقيًا للانتقال من مرحلة الوعي بالمخاطر الإلكترونية إلى مرحلة الجاهزية الفعلية، من خلال تنفيذ تمارين وطنية ومحاكاة لسيناريوهات واقعية لاختبار كفاءة الأنظمة ورفع مستوى الاستعداد المؤسسي للتعامل مع الحوادث السيبرانية.
وبيّن سعادته أن الوزارة ماضية في تحديث البنى الأساسية التقنية وتطوير السياسات المنظمة والاستثمار في الكفاءات الوطنية المتخصصة، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل المخاطر واستشراف التهديدات وتعزيز سرعة الاستجابة للتحديات الرقمية.
كما أشاد بالتكامل القائم مع برنامج «حداثة» لصناعة الأمن السيبراني، الذي تنفذه وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بهدف تنمية القدرات الوطنية وبناء صناعة متخصصة في الأمن السيبراني تدعم الابتكار وتعزز تنافسية الكفاءات العُمانية.
من جانبه، أكد المهندس خميس بن سالم الحجري رئيس مركز الدفاع الإلكتروني أن الأمن السيبراني في القطاع الصحي لم يعد خيارًا تقنيًا، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية الأرواح وضمان استمرارية الخدمات الصحية الحيوية، في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده القطاع.
وأشار إلى أن المؤسسات الصحية عالميًا تواجه تحديات متزايدة نتيجة تصاعد الهجمات الإلكترونية، موضحًا أن تكلفة اختراق البيانات الصحية قد تتجاوز عشرة ملايين دولار للحادثة الواحدة، فيما تعرضت أكثر من 70 بالمائة من المؤسسات الصحية حول العالم لحوادث سيبرانية خلال عام واحد، مبينًا أن هجمات التصيد الاحتيالي تمثل المدخل الرئيس لغالبية هذه الهجمات.
وأوضح أن نحو 50 بالمائة من الحوادث السيبرانية في منطقة الشرق الأوسط خلال عام 2025 ارتبطت بهجمات الفدية والابتزاز المالي، الأمر الذي يستوجب تعزيز الجاهزية المؤسسية ورفع مستوى الالتزام بالمعايير والسياسات الوطنية للأمن السيبراني.
واستعرض رئيس مركز الدفاع الإلكتروني ستة محاور رئيسية لتعزيز حماية القطاع الصحي، شملت الامتثال للسياسات والضوابط الوطنية، وتطبيق قانون حماية البيانات الشخصية، والالتزام بالسياسات الأمنية لمنصة «ضماني»، إلى جانب تكثيف برامج التدريب والتوعية وتعزيز حماية الأنظمة الرقمية وفق أفضل الممارسات العالمية.
وشهد المؤتمر مشاركة دولية بارزة تمثلت في حضور الدكتور أليين لابريك مدير إدارة الصحة الرقمية والابتكار بمنظمة الصحة العالمية، الذي أكد أن سلطنة عُمان تمثل نموذجًا عالميًا متقدمًا في توظيف التقنيات الرقمية لحماية البيانات الصحية وتعزيز كفاءة الخدمات الطبية.
وأشار إلى أن سلطنة عُمان أصدرت خلال السنوات الثلاث الماضية أكثر من 45 ألف شهادة صحية رقمية موثوقة لحجاج بيت الله الحرام، بمعدل سنوي يقارب 15 ألف شهادة، ما أسهم في تمكين الحجاج من حمل بياناتهم الصحية بصورة آمنة وقابلة للتحقق الفوري في مختلف دول العالم.
وأوضح أن هذه المبادرة تكتسب أهمية خاصة في ظل طبيعة موسم الحج باعتباره أكبر تجمع بشري سنوي عالمي، حيث تتيح السجلات الصحية الرقمية للطواقم الطبية الوصول السريع إلى المعلومات الصحية للحجاج، بما يسهم في رفع كفاءة التدخل الطبي في الحالات الطارئة.
وبيّن أن النظام المعتمد يستند إلى بنية تقنية متقدمة طورتها منظمة الصحة العالمية، تضمن خصوصية البيانات الصحية وإمكانية التحقق منها دون الحاجة إلى قواعد بيانات مركزية معرضة للاختراق أو التعطل، مشيرًا إلى أن أكثر من 82 دولة حول العالم أصبحت قادرة على استخدام هذه البنية التقنية المشتركة.
وأكد أن التعديلات الجديدة على اللوائح الصحية الدولية ستُلزم الدول، بدءًا من الربع الأخير من عام 2026، بدعم أنظمة الشهادات الدولية الرقمية للتطعيم والحالة الصحية، لافتًا إلى أن سلطنة عُمان سبقت العديد من الدول في جاهزية هذه المنظومة وفاعليتها.
وشدد على أن العنصر البشري يبقى العامل الأكثر تأثيرًا في تعزيز الأمن السيبراني أو إضعافه، داعيًا إلى تكثيف برامج التوعية والتدريب والمحاكاة الدورية للهجمات الإلكترونية، وتعزيز ثقافة الأمن الرقمي داخل المؤسسات الصحية.
كما ناقشت جلسات المؤتمر ثلاثة محاور رئيسية تناولت تحديات أمن البيانات الشخصية والصحية، وأمن الحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، إضافة إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الأمن السيبراني للقطاع الصحي، بمشاركة مختصين من الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية.
وشهد المؤتمر كذلك تدشين «جائزة الامتثال السيبراني في القطاع الصحي»، بهدف تشجيع المؤسسات الصحية على تطبيق أفضل الممارسات والمعايير الأمنية ورفع مستويات الامتثال والجاهزية الرقمية.
ويحظى المؤتمر بدعم عدد من الشركاء الاستراتيجيين، في مقدمتهم مركز الدفاع الإلكتروني وأكاديمية الأمن الإلكتروني المتقدم، إلى جانب شركة «أوتك» الراعي الرئيسي، وشركة «إنسايت» الراعي الذهبي، وشركة «ثاليس» راعي الثقة الرقمية.
واختتم المؤتمر أعماله بالتأكيد على أهمية بناء منظومة صحية رقمية آمنة ومستدامة، وتعزيز الشراكات الوطنية والدولية لمواجهة التحديات السيبرانية المتنامية، إلى جانب صياغة توصيات تهدف إلى رسم خارطة طريق لتحصين القطاع الصحي العُماني ورفع جاهزيته لمواكبة المتغيرات المتسارعة في الفضاء الرقمي.



